الخطيب الشربيني

8

مغني المحتاج

نفسه كما لو حبسه وعنده ما يأكل فلم يفعل . ( ولو ألقاه في ماء ) راكد أو جار ( لا يعد مغرقا ) بسكون الغين وبفتحها وتشديد الراء ( كمنبسط فيه مضطجعا ) أو جالسا أو مستلقيا ( حتى هلك فهدر ) لا قصاص فيه ولا دية ، لأنه المهلك نفسه . فإن ألقاه في الماء المذكور مكتوفا بحيث لا يمكنه التخلص فمات وجب القصاص . ( أو ) ألقى رجلا أو صبيا مميزا في ماء ( مغرق ) كنهر ( لا يخلص منه إلا بسباحة ) بكسر السين مصدر سبح في الماء : عام ، ( فإن لم يحسنها أو كان ) مع إحسانها ( مكتوفا أو زمنا ) أو ضعيفا فهلك بذلك ، ( فعمد ) فيه قصاص . تنبيه : أفهم كلامه أن الماء الذي لا يتوقع الخلاص منه بالسباحة كلجة بحر أنه يجب فيه القصاص ، سواء أكان يحسن السباحة أم لا ، وهو كذلك . ( وإن ) أمكنه التخلص بسباحة مثلا ، ولكن ( منع منها عارض كريح وموج ) فهلك بسبب ذلك ، ( فشبه عمد ) تجب ديته . تنبيه : تعبيره يقتضي التصوير بطرو العارض ، وهو يفهم أنه لو كان موجودا عند الالقاء يجب القود ، وهو كذلك فهو كمن لا يحسن السباحة . ( وإن أمكنته ) سباحة أو غيرها كتعلق بزورق ( فتركها ) باختياره ، كأن تركها حزنا أو لجاجا ، ( فلا دية في الأظهر ) كما في المحرر ، وعبر في الروضة كأصلها بقوله وجهان أو قولان لأنه المهلك نفسه بإعراضه عما ينجيه . والثاني : تجب ، لأنه قد يمنعه من السباحة دهشة أو عارض باطني . تنبيه : لو شك في إمكان تخلصه بأن قال الملقي : كان يمكنه الخروج مما ألقيته فيه فقصر ، وقال الولي : لم يمكنه ، صدق الولي بيمينه لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج . فرع : لو ربطه وطرحه عند ماء يزيد إليه غالبا كالمد بالبصرة فزاد ومات به فعمد ، أو قد يزيد وقد لا يزيد فزاد ومات به فشبه عمد ، أو بحيث لا يتوقع زيادة فاتفق سيل نادر فخطأ . ( أو ) ألقاه ( في نار يمكن ) معها ( الخلاص منها ) فمكث فيها حتى مات ، ( ففي الدية القولان ) في الماء ، والأظهر عدم الوجوب كما مر ، ويعرف الامكان بقوله أو بكونه على وجه الأرض وإلى جانبه أرض لا نار عليها . فإن اختلف الملقي والولي في إمكان تخلصه صدق الولي كما مر لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج ، وقيل الملقي لأن الأصل براءة ذمته . ( ولا قصاص في الصورتين ) وهما الالقاء في الماء والالقاء في النار لأنه الذي قتل نفسه . ( وفي ) الالقاء في ( النار وجه ) بوجوب القصاص بخلاف الماء ، والفرق أن النار تحرق بأول ملاقاتها وتؤثر قروحات قاتلة ، بخلاف الماء . على أن في الماء وجها أيضا في الروضة ، فلا مفهوم لتقييد المتن . وعلى عدم القصاص يجب على الملقي أرش ما أثرت النار فيه من حين الالقاء إلى الخروج على النص ، سواء أكان أرش عضو أم حكومة ، فإن لم يعرف قدر لذلك لم يجب إلا التعزير كما في البحر عن الأصحاب . واحترز بقوله : يمكنه الخلاص عما إذا لم يمكنه لعظمها أو لكونها في وحدة أو كونه مكتوفا أو زمنا أو صغيرا أو ضعيفا فعليه القصاص . تنبيه : إذا اجتمعت المباشرة مع السبب أو الشرط فقد يغلب السبب المباشرة كما مر في شهود الزور إذا اعترفوا بالتعمد والعلم فإن القصاص عليهم دون الولي والقاضي الجاهلين بكذب الشهود . وقد تغلب المباشرة السبب والشرط كما قال : ( ولو أمسكه ) شخص ( فقتله آخر أو حفر بئرا ) ولو عدوانا ( فرداه فيها آخر ) والتردية تقتل غالبا . ( أو ألقاه من شاهق ) أي مكان عال ، ( فتلقاه آخر فقده ) أي قطعه نصفين مثلا قبل وصوله الأرض ، والقد لغة هو القطع طولا